محمد حسين هيكل

344

حياة محمد ( ص )

الغربية . فكلتاهما متّفقة على أن للكون سننا لا تحويل لها ولا تبديل ، وأن ما في الكون جميعا خاضع لهذه السنن ، وأن الإنسان خاضع لها خضوع سائر ما في الكون . لكن الجبرية الغربيّة تخضع المرء لبيئته ووراثته خضوع إذعان لا محيص عنه ولا مفرّ منه وتجعل إرادة الإنسان بعض ما يخضع لبيئته ، فلا سبيل له لذلك إلى أن يغير نفسه . فأمّا القرآن فيدعو إرادة كل فرد للتوجّه بحكم العقل إلى ناحية الخير ، ويذكر لهم أنه إذا كان قد قدّر لهم الخير فيما كسبت أيديهم ، وأنهم لا ينالون هذا الخير اعتباطا من غير سعي . يقول تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ ) « 1 » . ففي مقدورهم إذا أن يفكروا وأن يتدبّروا بعد أن هداهم اللّه بكتبه إلى الواجب عليهم ، وبعد أن دلّهم أنبياؤه ورسله على طريق الحق ، وبعد أن دعوا إلى النظر في الكون وتدبّر سننه ومشيئة اللّه فيه . ومن يؤمن بهذا ، ومن يوجّه نفسه وجهته ، فلن يصيبه إلا ما كتب اللّه عليه . فإذا كان قد كتب عليه أن يموت في سبيل الحق أو الخير الذي أمر اللّه به فلا خوف عليه ، وهو وأمثاله أحياء عند ربهم يرزقون ، أية دعوة إلى الإقدام وإلى السعي وإلى الإرادة كهذه الدعوة ؟ وأين فيها ما يزعم إيرفنج والمستشرقون من تواكل ؟ ! التواكل ليس من التوكل على اللّه في شيء . فالتوكل على اللّه لا يكون بقعود المرء والتخلف عن أمر ربه ، بل بالعمل الجدّيّ لما أمر به . وذلك قوله تعالى : ( فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) . فالعزم والإرادة يجب إذا أن يسبقا التوكل . وأنت ما عزمت ثم توكلت على اللّه بالغ نهاية أمرك بفضل منه . وأنت ما ابتغيت وجهه وحده ، وما خشيته وحده ، وما سلكت سبيله وحده ، مهتد إلى الخير بحكم سنة اللّه في الكون ، وسنّة اللّه لا تحويل لها ولا تبديل . وأنت بالغ هذا الخير ، أدّى بك سعيك إلى النجاح والفوز ، أو أدى بك إلى الموت . وما ينالك من الخير فمن عند اللّه . أمّا ما يصيبك من مكروه فيما كسبت يداك وباتباعك سبيلا غير سبيل اللّه . فالخير كله بيد اللّه ، والضلال والشر من نزع الشيطان وعمله . . . أمّا علم اللّه بكل ما يقع في الوجود قبل أن يبرأ اللّه الوجود ، وأنه جلّ شأنه ( لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ ) « 2 » فيرجع إلى أن اللّه برأ للكون سننا لا تحويل لها ويجب أن تنشأ عنها آثارها . وإذا كان العلماء يذهبون إلى ما قدمنا من أن العلم الواقعي يستطيع إذا عرف أسرار الحياة الإنسانية وسننها ، أن يعرف ما قدّر لكل فرد ولكل أمة على وجه اليقين ، كما يعرف مواقيت الكسوف والخسوف ، فإن الإيمان باللّه يقتضي حتما الإيمان بعلمه بكل شيء من قبل أن يبرأ العالم . وإذا كان المهندس الذي يصنع « تصميم » دار أو قصر ويراقب تنفيذ هذا التصميم ، يستطيع أن يعلم مدى ما يعيش هذا البناء وما قد تتعرض له أجزاؤه المختلفة على مضيّ السنين ، وكان علماء الاقتصاد يذهبون إلى أن السنن الاقتصادية تهداهم على سبيل القطع إلى معرفة ما ينشأ في حياة العالم الاقتصادية من أزمة أو رخاء ، فإن مناقشة علم اللّه بكل صغيرة وكبيرة مما خلق في الكون تجديف لا يقبله عقل منطقي . وهذا العلم لا يصح أن يقف الناس عن التفكير في مالهم ، والعمل جهد الطاقة لاتباع جادة الحق وتنكب طريق الضلال ؛ فعلم اللّه غيب عليهم وهم مهتدون آخر الأمر إلى الحق ولو بعد حين . واللّه قد كتب على نفسه الرحمة ، وهو يقبل توبة التائب من عباده ويعفو عن كثير . وما دامت رحمته وسعت كل شيء فليس لإنسان أن ييأس من الاهتداء إلى الحق والخير ما دام ينظر في الكون ويتدبر ما فيه . وليس لإنسان أن يقنط من رحمة اللّه إذا هداه نظره آخر الأمر سبيل اللّه . وإنما الويل لمن ينكر إنسانيته ويستكبر عن النظر والتفكير ابتغاء الهدى . أولئك يعاندون اللّه ولا

--> ( 1 ) سورة الرعد آية 11 . ( 2 ) سورة سبأ آية 3 .